الخوارزميات ليست مجرد أدوات برمجية عادية؛ إنها آليات دقيقة مصممة لفهم سلوك المستخدم والتنبؤ به، لتقديم المحتوى الذي يضمن أقصى قدر ممكن من البقاء على المنصة. من خلال دراسة بيانات التفاعل، تتعلم الخوارزميات ما يثير فضولنا، وما يحفزنا للاستمرار في التمرير اللانهائي (Infinite Scrolling). هذه الآليات تحاكي تماماً عمل المواد المخدرة؛ حيث يستجيب الدماغ لرغبة فورية في الحصول على مكافأة، مما يقوض قدرتنا على التركيز الطويل والتفكير العميق.
المفارقة تكمن في أننا، حتى كمتخصصين في مجالات الصحة العقلية أو التوعية، نجد أنفسنا مضطرين للانخراط في هذا النظام. فعندما تزور مختصّة في الطب النفسي، وهي تدرك تماماً مخاطر الإدمان الرقمي، مكتب مستشار تسويقي لمناقشة استراتيجيتها الرقمية، فإنها تجسد الصراع بين فهمنا للمشكلة وضرورة التكيف مع بيئة العمل الجديدة. يتطلب نشر الوعي، أو حتى ممارسة التجارة، اللعب وفق قواعد هذه الخوارزميات، مما يضعنا جميعاً في فخ إجبارنا على استخدام أداة نعلم مسبقاً مدى خطورتها على صحتنا العقلية.
الاستخدام المفرط لهذا «الكوكايين الرقمي» أدى إلى تفاقم الأزمات النفسية، مثل القلق الاجتماعي، والاكتئاب، وضعف القدرة على إدارة الوقت. إن الإدمان الرقمي، المعترف به الآن كاضطراب نفسي، لا يقتصر تأثيره على الأفراد فحسب، بل يمتد إلى نسيج المجتمع بأكمله، حيث أصبحت القيمة تُقاس بعدد المتابعين والتفاعلات بدلاً من الجودة الحقيقية أو التأثير الواقعي. هذا القبول الاجتماعي الواسع لنمط الحياة المدمن رقمياً هو ما يجعله «مصرحاً به رسمياً» في نظر الكثيرين.
في الختام، بينما تقدم وسائل التواصل الاجتماعي فرصاً هائلة للتواصل والتعلم، يجب ألا نغفل الجانب المظلم من معادلة الإدمان. الوعي بآليات عمل الخوارزميات ووضع حدود واضحة للاستخدام هو الخطوة الأولى نحو استعادة السيطرة على عقولنا. إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الاستفادة من هذه المنصات دون أن نسمح لها بالسيطرة الكاملة على صحتنا العقلية وسلوكنا اليومي.
.webp)