
في قلب التقويم اليهودي، تبرز فترة العشرة أيام الفاصلة بين عيد رأس السنة العبرية (روش هاشاناه) ويوم الغفران (يوم كيبور)، وهي فترة تُعرف باسم 'الأيام المقدسة العليا' أو 'أيام الرهبة'. لا تُعد هذه الأيام مجرد عطلات دينية، بل هي رحلة روحانية مكثفة تهدف إلى التكفير عن الذنوب والتأمل في العلاقة بين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان ومجتمعه.
تبدأ هذه الرحلة برأس السنة العبرية، 'روش هاشاناه'، وهو اليوم الذي يُعتقد أنه يمثل ذكرى خلق العالم. خلال هذا العيد، تتجه العائلات اليهودية نحو الاحتفال وبداية العام الجديد، مع التركيز على أهمية التوبة والاعتراف بالخطايا المرتكبة خلال العام الماضي. يتميز الاحتفال بهذا اليوم بطقس 'التكفير' (تشوفا) حيث يقوم المصلون بالتأمل في أفعالهم وطلب الصفح من الآخرين قبل التوجه إلى طلب المغفرة الإلهية. ويُعد نفخ 'الشوفار' (قرن الكبش) أحد أبرز الطقوس الرمزية التي تدعو إلى الاستيقاظ الروحي.
تُشكل الأيام التسعة التالية لـ 'روش هاشاناه' جسرًا روحيًا، حيث يزداد فيه التركيز على التوبة والعمل الخيري، استعدادًا للذروة الروحية: يوم الغفران. في هذا اليوم، يمتنع اليهود عن الطعام والشراب لمدة 25 ساعة متواصلة، في صيام يُعد من أشد الأيام قداسة في العام. يوم الغفران ليس مجرد صيام، بل هو فرصة للتطهر الكامل من الذنوب، والتصالح مع الذات، وتجديد العهد الروحي.
ويسبق يوم الغفران تقليد يُعرف باسم 'كاباروت'، حيث كان البعض في الماضي يمارسون طقس التلويح بدجاجة حول الرأس كرمز لنقل الخطايا إليها قبل ذبحها، وهو تقليد قديم استبدله معظم اليهود حاليًا بالتبرع بمبلغ مالي يعادل قيمة الدجاجة للفقراء. هذه الممارسات، سواء كانت تقليدية أو حديثة، تؤكد على الجوهر الأساسي لهذه الفترة: التكفير والعودة إلى نقاء البداية.
في الختام، تُعد الأيام المقدسة العليا تجسيدًا حيًا للإيمان بفرصة التغيير والتجديد. إنها دعوة للجميع للتوقف عن صخب الحياة اليومية، والنظر بصدق إلى الداخل، والسعي نحو المغفرة والصفاء، قبل أن يُغلق 'سفر الحياة' للعام القادم.